فؤاد سزگين
7
تاريخ التراث العربي
وهناك نوع آخر من الرواية عرفته تلك الفترة ، فكان التلميذ يأتي بالنصوص أو الصحف أو الكتب إلى شيخ بهدف روايتها باسمه دون أن يكون قد سمع مضمونها منه أو قرأه عليه وهذا ما سمّى « بالكتابة » ، وقد استخدمت هذه الطريقة في القرن الثاني الهجري في عدة صور صنّفت إلى : « المكاتبة » و « الوصية » و « المناولة » و « الإجازة » وكانت الطريقة التي عرفت فيما بعد باسم « الوجادة » معتادة في الفترة الأولى . فقد رويت كتب وأجزاء منها دون أن تكون هناك أية إجازة بروايتها . ويبدو أنه لم يكن هناك في القرن الأول الهجري اتفاق حول جواز قبول هذه الطريقة . وقد اتّهم التابعي مجاهد ( المتوفى 104 ه / 722 م ) بأنه « كان يحدّث عن صحيفة ( الصحابي ) جابر بن عبد اللّه » مستخدما هذه الطريقة . « 17 » وكان بعض أبناء الصحابة كذلك يروون الكتب التي ورثوها عن آبائهم على هذا النحو ، فكان لهم أن يقولوا « وجدت في كتاب آبائي » أو « وجدت في كتاب أبى » . « 18 » ويبدو أن اتفاق العلماء على جواز « الكتابة » لم يكن أحسن حالا . فقد جرّح التابعي سعيد بن جبير ( المتوفى 95 ه / 714 م ) هذه الطريقة ولم يجزها « 19 » ، أما الزّهرى ( المتوفى 124 ه / 742 م ) / فقد رأى نفسه مضطرا إلى الاعتراف بها . « 20 » وكانت دوائر الفقهاء تتخرّج بصفة عامة من نصّ أو دليل ورد بهذه الطريقة . وفي معرض حديثنا عن الزهري سنغتنم الفرصة لنشرح بالتفصيل أن جولدتسيهر قد أخطأ في فهم عبارة الزهري : « كنا نكره كتاب العلم حتى أكرهنا عليه هؤلاء الأمراء فرأينا ألّا نمنعه أحدا من المسلمين » « 21 » ، وذلك لأنه فهم منها أن الزهري إنما أراد بهذا أن يمكّن للحكام الأمويين تقديم مادة عقيدية وسيلة تخدم مصالح أسرتهم الحاكمة . « 22 » ويبدو أن الإشارة إلى هذا النوع من الرواية لم يظهر بمصطلح من مصطلحات
--> ( 17 ) الطبقات لابن سعد ( بيروت ) 5 / 467 . ( 18 ) نفس المرجع 1 / 70 ، 321 ، الإصابة 2 / 162 . ( 19 ) نفس المرجع 6 / 258 . ( 20 ) نفس المرجع ( طبعة أوروبا ) 2 / 2 / 135 . ( 21 ) انظر : طبقات ابن سعد 2 / 135 ، حلية الأولياء لأبى نعيم 3 / 363 . ( 22 ) انظر : جولدتسيهر ، دراسات إسلامية Goldziher , Muh . Stud . II , 38 .